يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
54
النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه
قوله : " وقد قال بعضهم : ذهبت الشام " إلى قوله " دخلت البيت " . اعلم أن الأماكن المختصة التي لا تقع ألفاظها على كل مكان لا تستعمل ظرفا ، فكان حكم اسم الشام : أن لا يستعمل ظرفا ؛ لأنه اسم لبقعة بعينها . فلما قالت العرب : ذهبت الشام - وحذفوا حرف الجر وهو " في " أو " إلى " - علمنا أن ذلك شاذ خارج عن القياس . وقد ذهب فيه مع شذوذه مذهبا - وإن كان ضعيفا - وذلك المذهب هو أنك تعلم أن كل بقعة ، وإن اختصت باسم كنحو : المسجد والدار ، فله اسم يشاركه فيه سائر البقاع نحو : مكان ، وموضع . ألا ترى أن المسجد مكان وإن كان مسجدا . فكذلك الشام هو مكان . وهذا لا يقاس عليه ؛ لأن وضع الشيء موضع غيره ، إنما يسمع سماعا فيسلم ولا يقاس عليه . ومثل سيبويه لهذا بقولهم : " دخلت البيت " وجعله شاذا كشذوذه . وقد رد ذلك عليه من وجهين . - أحدهما : أنه قيل : ليس " ذهبت الشام " مثل " دخلت البيت " ؛ لأن الشام اسم موضع بعينه ، وكل مكان كان مبنيّا فهو بيت ، والبيت أعم . ولم يذهب سيبويه حيث ذهب هذا الراد عليه ؛ لأن سيبويه إنما أراد أن يرينا أن " ذهبت الشام " شاذ ، والأصل فيه استعمال حرف الجر ، كما أن " دخلت البيت " كذلك ، وإن كان البيت أعم من الشام . - والوجه الآخر من وجوه الرد عليه ما قال أبو عمر الجرمي ، وهو أنك تقول : دخلت البيت ، ودخلت في البيت ، كما تقول : جئتك وجئت إليك ، فهو كالمفعول به الذي يتعدى الفعل إليه تارة بحرف الجر وتارة بغيره . وليس الأمر على ما قاله أبو عمر ، والدليل على أن دخلت البيت لا يتعدى - وأن حرف الجر قد حذف وهو يزاد - قولك : دخلت في الأمر ، ودخلت في كلام زيد . فعلمت بهذا أنهم توسعوا في حذف حرف الجر من الأماكن فقط وتركوا غيرها على القياس . قال سيبويه : " ومثل ذلك قول ساعدة بن جؤية " : * لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب " 1 " وكان ينبغي أن يقول : كما عسل في الطريق ؛ لأن الطريق اسم خاص للموضوع المستطرق .
--> ( 1 ) ديوان الهذليين 1 / 190 ، نوادر أبي زيد 15 ، الكامل 1 / 369 ، المقتضب 4 / 337 .